أوهام قريحة علماني !

ما عاد الربيع أجمل فصول السنة عند الجميع، فبعض القوم يرون أنّ أجمل فصولها: فصل الدين عن الدولة.

صاحبنا نموذج لعلماني ينتظم في العلمانية الجزئية بحسب تقسيم العالم الموسوعي عبد الوهاب المسيري، الذي ذهب إلى أن هناك علمانية جزئية يتبناها أغلب العلمانيين العرب، وتعني فصل الدين عن الدولة، وعلمانية شاملة لا تفصل الدين عن الدولة فحسب، وإنما هي رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته، تفصِل كل القيم والمفاهيم الدينية عن حياة الإنسان، وهي رؤية تُرادف الداروينية.

لكن المستقرِئ لواقع ذلك (النصف) النموذج، يُصدم عندما يرصد مغادرته موقع العلمانية الجزئية، ليقترب من العلمانية الشاملة، فهو مغرمٌ بالتطاول على الثوابت، وصلت إلى حد الادعاء بأن القرآن كائن مخلوق نتاج دعم قُوى خارجية لمحمد، يستطيع من خلالها إقناع أتباعه بثورته للحصول على الملك والغنائم.

وهكذا صارت الرسالة ثورة على أوضاع معيشية وطبقية، هدفها تحقيق مصالح مادية بحتة.

ويُمعن صاحبنا في الانتصار لعلمانيته المتطرفة، بإنكار أية قوانين تُجرّم سب الذات الإلهية والنبي صلى الله عليه وسلم.

يصارع طواحين الهواء، ويسير على خطى أسلافه في معارك نظرية تنظيرية، فيتحدث عن نبذ فكرة أن الإسلام دين ودولة، وعن الدولة المدنية، وعن أزمته مع فكرة الخلافة، وتجاهل أن ما يصارعه لم يعد له وجود، فالخلافة سقطت منذ قرن، ومعظم بلدان الوطن العربي تحكمها دساتير وضعية، أفضلها حالاً ما تضمّن النصَّ على مصدرية الدين الإسلامي للتشريع، فيما يعكس الواقع فجوة كبيرة بين القوانين وتطبيقها، فأي معركة يخوضها ذلك المسكين؟

هذا النموذج المُعبِّر عن شريحة واسعة، خاض في لُجّة الوهم، وشرع يحاسب الإسلام بأوهامه تلك.

صاحبنا توهّم أن طريق الخلاص في نبذ المرجعية الدينية، ليس في نظام الحكم فحسب، إنما يطمع أن تنسلِخ كل التصورات والمفاهيم والقيم من تلك المرجعية.

لو أنْصَف لقال إنه ما من مجتمع إلا ويتحرك في إطار مرجعية نهائية، وفكرة جوهرية تُشكل الأسس لجميع التصورات والأفكار، وإطار جامع تُقام عليه الأنظمة العامة، تلك الفكرة مستمدة من نَسَق حضاري وقِيمي، سابقة على الإدراك والتقييم، وليست نِتَاج تجربة وتحليل، تلك المرجعية التي تجيب عن أسئلة ذات طابع معرفيّ تتعلق بتصورات الإنسان وعلاقته بالكون، وتوجّهات مجتمعِه وما يصِحُّ فيه وما لا يصِحّ.

بدون هذه المرجعية لن يكون للمجتمع معايير يحكم بها على الأحداث والظواهر، ولن يستقر له تحديد الحَسَن والقبيح، تلك المرجعية بلا شك تُستمد من مصدر خارجي، وهو الدين، لأنه إن قفز على المنهج السماوي إلى ما يرتضيه المجتمع، فإنه سيقع أسيراً للنسبية التي وقع في أسرها الغرب، فأمريكا مرجعيتها النهائية هي الملكية الرأسمالية والفرد المطلق، لكنها قد طغت عليها النسبية، فالعدل وحقوق الإنسان – وغيرها من المصطلحات- تدور في فلك المصلحة.

إن كان صاحبنا العلماني يرى أن مطلق الحرية الفردية هو مرتكز الإطار الأخلاقي، فكيف سنحسِم مثلاً قضية الإباحية التي يقبَل بها أقوام ويرفضها آخرون؟!

توهّمَ أن الدين قرين التخلّف، وأن أوروبا لم تتقدم إلا بعد أن ثارت على الدين، ومن ثمّ فلن نأخذ نصيبنا من ذلك التقدم إلا بعد أن نسير على خُطى الغرب في ثورته على الدين.

وهو بذلك قد جزم بأن ما حدث في أوروبا حالة تاريخية عامة، متجاهلاً تلك الحِقب التاريخية لأمم وحضارات بلغت من التفوق والتطور مبلغاً عظيماً مع كونها ترتكز على فكرة الدين في حياتها العامة.

الحضارة الفرعونية التي صبَغَتها الاعتقادات الدينية أذهلت العالم بإنجازاتها التي لا تزال العقول فيها حائرة.

إمبراطوريات الصين تمحورت حول الكونفوشية وفاقت الغرب في تطوره بالعصور الوسطى. الحضارة اليونانية والرومانية في العصور القديمة ارتكزت على الفكرة الدينية والإيمان بتعدد الآلهة وعلاقات النسب بينها وبين البشر، وإدارتها للصراع البشري، وكانت حضارات قوية تركت آثاراً لا تُنسى.

وأخيراً الحضارة الإسلامية التي صارت مُكوناتها ومفرداتها مَرْجِعاً لغيرها ومنطلقاتٍ لعلومهم الحديثة، ألم تتمحور حول الرسالة المحمدية؟!

إذن، فالدين ليس قرين التخلف، وما حدث في أوروبا كان بسبب سيطرة الحكم الثيوقراطي واستبداد السلطة الكهنوتية التي ادَّعت الحق الإلهي، وتعاملت مع الشعوب على أنها إلهُ الأرض، واحتكرت الفكرة والرأي والمال، والتفَّتْ على فطرة الإنسان الأوروبي، وحالت بينه وبين العلم والاكتشاف والبحث والتنظير.

وهذا وَهمٌ آخر يقع فيه صاحبنا النموذج، إذ ألصق بالدين الإسلامي تهمة السلطة الكهنوتية والحكم الثيوقراطي، إن الدولة في الإسلام إنما هي دولة مدنية بمرجعية إسلامية، وضع لها الإسلام إطاراً عقائدياً يريح ذهنيتهم وتصوراتهم، وإطاراً قيمياً مرتبطاً بهذه العقائد وثمرة لها، يقوم على الثبات في تطبيقه على الجميع دون تفرقة، وعلى المرونة في بعض الأحوال – إذ أباح مثلاً الكذب لإصلاح ذات البين وهو مقصد في ذاته- وعلى صفات الأمانة والقوة بما يضمن انتظام الأمة في سلك الفاعلية والإنتاجية.

كما وضع المنهج الرباني خطوطاً عريضة وأسساً عامة تقوم عليها الدولة ونظامها، فمثلاً جعل الشورى أساساً في النظام، وترك شكلها لاجتهادات الناس، قد يتمثل في برلمان أو مجلس شورى ونحو ذلك.

وترك معظم الأمور الحياتية لتقدير الناس وتخصصاتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل (وما أمرتكم بشيء من أمور دنياكم، فأنتم أعلم بأمور دنياكم).

وأما مهمة العلماء فهي التبليغ والاجتهاد في المستجدات وفق آليات وضوابط الاجتهاد، فيما لم يأت به نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو من شأنه إضفاء الحيوية على البحث العلمي، وليست مهمتهم أن يحكموا على الاختراعات والاكتشافات العلمية، وليس مطلوباً من كل عالم أن يُشرف على المفاعلات النووية أو الأنظمة الإدارية لمؤسسات الدولة.

توهم صاحبنا أن أبشع الجرائم تُرتكب باسم الدين، مُصرّحاً غير مُعرّض بالإسلام.

فهل تمت إبادة الهنود الحمر باسم الدين؟
هل ذبح ستالين وموسيليني وهتلر الملايين باسم الدين؟
هل نُفذت مأساة هيروشيما ونجازاكي باسم الدين؟
هل قُتل أكثر من خمسين مليوناً من البشر في الحرب العالمية الثانية باسم الدين؟
وإذا أراد صاحبنا أن ينسب شطحات داعش والجماعات التكفيرية إلى الإسلام، فهو عار أن يقول بهذا وقد صرّحت وزيرة داخلية بريطانيا منذ أكثر من عامين بأن دولة داعش المزعومة لا علاقة لها بالإسلام وليست هي الإسلام، وأن معظم المسلمين يرفضون سلوكيات هذا التنظيم.

الأوهام التي جادت بها قريحة صاحبنا النموذج لم تنْتَه…

والبيان أيضا ـ بعون الله – لا ينتهي.

الكاتبة الأردنية : إحسان الفقيه