الانحدار الأخلاقي والقيمي ودوره البارز في انهيار الدول

“إذا تأذَّن الله بانقراض المُلك من أُمّة، حمَلهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طُرقها، فتفقِد الفضائل السياسية منهم جُملة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يَخرج المُلك من أيديهم، ويتبدَّل به سواهم”.

وهكذا يلعب الانحدار الأخلاقي والقيمي دورا بارزًا في انهيار الدول، وحسبك أن قائل هذه العبارة هو ابن خلدون، واضع اللبنة الأولى لعلم الاجتماع، والذي قضى عمره في تناول قيام وسقوط الحضارات والأمم.

وأما أرنولد توينبي، فقد تأثر بتقسيمات ابن خلدون في مراحل تطور الحضارة، وذهب مثله إلى أن انهيار القيم والأخلاقيات، تُعد من أبرز العوامل الداخلية التي تؤدي إلى انهيار الأمم والحضارات.

وخلال مطالعتي تحفة ديورانت “قصة الحضارة”، وجدتُه شديد التركيز على الجانب الأخلاقي في الحضارات، واعتبار الانهيار في ذلك الجانب من أسباب سقوط الدول، فيقول على سبيل المثال عن أهل بابل:

“لقد فسدت الأخلاق وانحلَّت حين انهمك أهل بابل في ملذاتهم فرَضُوا أن تخضع مدينتهم للكاشيين والأشوريين والفرس واليونان”.

يا أمة رسول قال له ربه {وإنك لعلى خلق عظيم}، وقال هو عن نفسه (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وقالت عنه زوجته وحبيبته عائشة عندما سُئِلت عن أخلاقه (كان خلقه القرآن)، أين موضع الأخلاق من حياتنا ؟

أنّى اتَّجهتُ إلى قومٍ فُرادى أو جماعات، تنتابُك الحسرة على تردِّي الأخلاق وضياع القيم بينهم، وإنها لَقَاصمة الظهر أن يُصاب المسلمون والعرب في منظومتهم الأخلاقية والقيمية بهذا الشكل المُوجع ، ولله درّ الشاعر:

وإذا أُصيب القوم في أخلاقهم فأقِم عليهم مأتما وعويلا

وليس سقوط الأندلس عنا ببعيد، حيث كان انحدار الجانب القيمي من أبرز أسباب السقوط، ألم يقل أحد شعراء تلك الحقبة عن الخمر:

فجلّ حياتي من سكرها جرت مني الخمرة مجرى الدمِ

ألم ينقل ابن حزم عن كبير المعتزلة في الأندلس “إبراهيم بن سيار النظام” أنه تعلّق بغلام نصراني فألف له كتابا في تفضيل التثليث على التوحيد تقربا إليه؟

الحديث عن سقوط الدول بسقوط قِيمها وأخلاقها أجْمَله شاعر النيل بقوله:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ومن أشد أشكال سوء الخلق وأبشعها، استمراء الطعن في أعراض النساء والتساهل فيه، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح شيئا هيِّنًا على كل قارئ ومُتابع – إلا من رحم الله – أن ينال من عرض امرأة ويتقوَّل عليها زورا وبهتانا، فيا لضيعة المروءة.

لم يجد العرب بأوطاننا غضاضة في أن يسبُّوا امرأة مُسلمة كريمة في قومها، ذات حسب ونسب وسلطان، وينالوا من عرضها، لا لشيء إلا لأنها سيدة بيت يحكم دولة اختلفوا معها سياسيا، وأما قبْل الشقاق، فكانت هي المرأة القوية صاحبة الإنجازات الرائعة في مجال التعليم والمرأة، على المستويين المحلي والعالمي.

علمتُ جيدا قدر الجراح في قلبها لأنني مثلها امرأة نهشت عرضَها ألسنةٌ حِداد، لا ترقُب في مؤمنة إلَّاً ولا ذمّة، لأنني خالفتهم في الرأي والهوى.

كيف ينصر الله أمة ولَغت في الأعراض واستباحت الطعن في الشرف؟ هؤلاء خاضوا فيما خاضوا لما ولوْا ظهورهم تعاليم دينهم، لكنهم مع ذلك أيضا تنكَّروا لعروبتهم التي نازعوا عليها وصدّعوا الرؤوس بها، وجعلوها مَعقدا للولاء والبراء، فأين أخلاق عروبتكم يا قوم؟

أين أخلاق أبي جهل؟ نعم أكررها: أين أنتم من أخلاق أبي جهل ذلك المشرك الرعديد؟ فقد يئستُ من استجابتكم للتخلّق بأخلاق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين في التعامل مع المرأة وصوْن اللسان عن الخوض في عِرضها، فهلّا تخلَّقتم بأخلاق العرب في الجاهلية؟

كانوا مع فساد عقيدتهم وسلوكهم، ذوي مروءة مع الحرائر، يصون الرجل نفسه أن يبطش أو يسيء لنساء أعدائه.

عندما عزمت قريش على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمعوا حول داره بعد أن أخذوا من كل قبيلة فَتى ليتفرق دمه بينهم، فأشار بعض الحاضرين باقتحام بيت رسول الله، فأَبَى أبو جهل قائلا: أتريدون أن تقول العرب أننا روَّعنا بنات محمد”؟

أرأيتم يا أتباع محمد؟ فرعون هذه الأمة يستحيي أن يأتي بما يُروِّع بنات محمد فتعيِّره العرب، فماذا عنكم يا من أتيتم بالعظائم، وجئتم بما هو أبشع من الترويع، وقذفتم المحصنات الغافلات؟

أبو جهل لما غلبته حماقته ولطم أسماء بنت أبي بكر لأنها لم تخبر عن مكان أبيها وصاحبه صلى الله عليه وسلم، أدرك على الفور عِظم الجُرم الذي ارتكبه، وطلب من رفقائه أن يكتموا عنه تلك الفِعلة حتى لا يُعيَّر بها، لأنهم جميعا كانوا يعلمون أن الإساءة إلى المرأة ليست من صفات الرجال ذوي المروءة والشهامة، أما أنتم فأخلاقكم لم ترتق إلى أخلاق أبي جهل يا آباء وأبناء جهل.

سيءُ الأخلاق لن ينعم في حياته بالراحة جزاء ما اقترف وتطاول على الأعراض، لأنه بغيض، يبغضه ربه، وهو في الآخرة أبعد الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل (وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقا).

أبكي على زمنٍ كانت تزحف فيه الجموع من أجل قلب امرأة ألَمّ به الحزن، هاهو الحاجب المنصور قد رجع إلى قرطبة بعد الغزو، ليوافق صلاة عيد الأضحى، والناس يُهلّلون ويكبرون في مصلاهم، وقبل أن ينزل من على صهوة فرسه، اعترضته امرأة عجوز تقول بقلب قد أتى عليه الكمد: يا منصور كل الناس مسرور إلا أنا.

قال المنصور: وما ذاك؟ قالت: ولَدي أسير عند الصليبيين في حصن رباح؛ فلم ينزل الرجل من على جواده، ونادى في جيشه ألا تُلامس أقدامهم الغبراء حتى يطلقوا أسرى المسلمين.

كل ذلك من أجل قلب امرأة، يا من تُحسنون كسر قلوب النساء.

ولله درّ سلمة بن دينار إذ يقول: “السيء الخلق أشقى الناس به، نفسه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجته ثم ولده، حتى أنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور فيسمعون صوته، فينفرون منه فَرَقا منه، وحتى إنّ دابَّته تحِيد مما يرميها بالحجارة…”.

فيا معشر من آمن بلسانه ولمّا يدخل الإيمان قلبه، كفوا ألسنتكم عن أعراض المؤمنات المحصنات الغافلات، واعلموا أن أفعالكم الدنيئة هذه جُرم أخلاقي عظيم، ستجدون مغبّته ولو بعد حين.

إذا لم تتسع أخلاق قومٍ تضيق بهم فسيحات البلادِ

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الكاتبة الأردنية : احسان الفقيه