أطعموا شعوبكم..قبل أن يأكلوكم

حورب الإنسان في مبادئه فوجد من يقول له «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، وحورب في قوت يومه، فلم يجد من يقول نيابة عنه: «بغير الخبز لا يحيا الإنسان».

عندما وضع عالم النفس ماسلو هرمه لبيان الدوافع الأساسية للسلوك البشري، رتب احتياجات الإنسان بحسب أهميتها، وجعل في قاعدة الهرم الحاجات الفسيولوجية، كالحاجة إلى الطعام والشراب والمسكن. القرآن سبق ماسلو في تقرير أهمية الأمن الغذائي في معرض بيان منة الله على عباده: «فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطمعهم من جوعٍ وآمنهم من خوف».

تشير دراسة بريطانية لمجلة «ذا لانسيت» إلى أن مليارين ومئة مليون شخصٍ يعانون من البدانة، بينما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة «فاو» أن ثمانمئة مليون شخصٍ في العالم يواجهون خطر الجوع. البعض يقال لهم «جوعوا تصحوا»، والبعض الآخر يقال لهم: «جوعوا لتموتوا». عندها يفقد الإنسان ارتباطه بالآخرين، ويصبح كما قال غاندي «قد تغدو كسرة خبزٍ لجائعٍ كل ما يؤمن به من معتقدات». شعارات حقوق الإنسان خانت أصحاب البطون الخاوية، بعد أن هدم سادة الحروب بئر الماء واقتلعوا النخيل، فربما تنشق أحدهم رغيفاً على طريقة بطلة سوزان كولنز في روايتها «مباريات الجوع» لتقول بعدها: «يتعين علينا الاحتفاظ بهذا الرغيف «جيد الصنع» للمناسبات الخاصة». حتى الرغيف قد غاب عن مخيمات السوريين التي حاصرتها قوات الأسد، ليسجل التاريخ المعاصر أن أهلها اقتاتوا على لحم الكلاب والقطط والحمير».

« خصب دار، تتسع النفوس به في الأحوال، ويشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال». هي القاعدة الخامسة التي وضعها «الماوردي لصلاح الدنيا، لكنها لا تجد لها صدىً لدى صناع الجوع، الذين يبتزون الشعوب بخرافة الندرة، ما دفع فرانسيس مور لابيه، وجوزيف كولينز للقول في كتاب «صناعة الجوع»، «سنزداد تعرضاً للابتزاز يوماً بعد يوم، لأن قدرتنا على إنتاج ما يكفي لغذاء أعدادنا المتزايدة تقل يوماً بعد يوم، على الرغم من أننا نملك المال والأرض الصالحة للزراعة». ولئن كان بحسب الإنسان لقيماتٍ يقمن صلبه، فإن من حقه أن يمتلك تلك اللقيمات.

إن المجتمع الدولي الذي يترنم بشعارات حقوق الإنسان، ينكشف عواره وتسقط قيمه البالية، عندما يحرم الإنسان، الذي كرمه ربه، من أبسط مقومات الحياة، من لقيمات تبقيه على قيد الحياة، وتحفظ له الحد الأدنى من الشعور بآدميته.

صدقت يا عمرو بن الأهتم في ما نظمت:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها … ولكن أخلاق الرجال تضيق فما كانت خيرات الأرض في قلة، لكنها سياسات الدول التي أوهمتنا بأن للإنسانية وزنا، بينما تتخذ من الجوع سلاحا لإخضاع الشعوب وسلب إرادتها.

حدثونا عن أصوات ستة ملايين جائع عاطل عن العمل في ألمانيا، كيف ذهبت لتأييد النازيين؟ لقد استغل النازيون الأزمة الاقتصادية الطاحنة في مطلع الثلاثينيات، واستهدفوا العمال العاطلين بالدعاية ملوحين بالغذاء والوعود البراقة بتوفير العمالة المستديمة. وحدثونا عن أمريكا حاضنة تمثال الحرية والراعي الرسمي للقيم الإنسانية، عن شحنات القمح التي هددت بمنعها عن اليونان وتعريضها للهلاك، ما إذا تم انتخاب حكومة اشتراكية، ألم يكن لهذا الإجراء اللاآدمي تأثير على اتجاهات معظم الناخبين؟ ثم حدثونا عن جريمة العصر التي ارتكبتها أمريكا تجاه الشعب العراقي، عن استخدامها سياسة التجويع بفرض الحصار، في ما يعتبر أكبر عملية قتل غير مباشر في هذا العصر.

عن تدمير البنى التحتية للعراق، عن سحق منشآت النفط ومحطات ضخ المياه ومحطات الكهرباء والاتصال، عن إفناء السوق المركزية ومستودعات الحبوب والغذاء، عن ضرب الثروة السمكية بتلويث المياه. ذلك الإنسان الذي فضله ربه على كثير ممن خلق، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخّر له قوى الكون العتيد، هو ذاته الإنسان الذي يعيش ميتا على ظهر الأرض، كضحية لسياسات الدول التخريبية (لا الاستعمارية).

الإنسان العربي خاصة، جاع على يد الأنظمة القمعية الديكتاتورية التي لا تعرف مع شعوبها سوى لغة الحديد والنار والضرب في (المليان) بحسب مصطلح أحد العمائم التي تشرعن الباطل في بعض الدول العربية.

تبا لها من أنظمة لا ترى ترويض الشعوب إلا بالتجويع، فأشهرت في وجهها سلاح الجوع، فالكد ليل نهار للبحث عن القوت كفيل بقتل التطلعات إلى التغيير والحرية والعدالة الاجتماعية، ووأد كل فكرة رامية إلى الحصول على الحقوق المشروعة.

في معظم الدول العربية، قُهر الإنسان وقُتل فيه الإبداع، وتشوهت معالم شخصيته، وغُرست فيه الأنانية والدونية من حيث لا يشعر، عندما تعرض للإفقار الممنهج. أليس من حق المواطن العربي أن يتنعم بما خلق الله له من نعم وأرزاق؟ أليس من حقه أن يعيش في ظل الأمن الغذائي والنفسي؟

يا حكام العرب، كفاكم ما نهبتم من ثروات الشعوب ومقدرات البلاد، ودعوا الناس يعيشون، دونكم هؤلاء البسطاء الذين يعيشون على هامش الحياة، أنقذوا أنفسكم قبل فوات الأوان، قبل أن تندلع في وجوهكم ثورات جياع لا تبقي ولا تذر، أطعموهم قبل أن يأكلوكم.

الكاتبة الاردنية احسان الفقيه